مقال عن الإرهاق الرقمي محاولة النجاة بالرواية
خلال الأشهر الثلاثة الماضية، بعد معرفتي أنّ عليّ أن أبحث عن عمل جديد، وأنا أخوض سباقًا مع نفسي، سجلت في كورسات تضمن التعمق في معرفة برامج الذكاء الاصطناعي التي أستخدمها بالأصل. كثافة المعلومات التي أتعرض لها بشكل يومي أصبحت تصيبني بإرهاق وصداع مستمر، وقلقي ومخاوفي بدأت تتزايد كسيل لا يتوقف.
والسؤال الدائم: كيف لي أن أواكب هذا العالم؟ وهذا السؤال الذي كان قبل خمسة عشر عامًا، عندما تخرجت من كلية الهندسة: كيف لي أن أخترق كل هذه البرامج وأتقنها؟ ماذا يريد العالم؟ أن أعرف شيئًا عن كل شيء، أو أعرف كل شيء عن شيء؟
ولست هنا أريد أن أجيب عن السؤال، بل فأنا ما زلت في هذا الصراع غير المتناهي، والذي يزداد يوميًا، وخاصة أن خوارزميات التواصل الاجتماعي تقرأ تحركاتنا وتنهال علينا بفيديوهات غير متناهية عن أي كلمة أو شيء بحثنا عنه، ولا أعود أعرف: هل أنا من أبحث عن المعرفة، أم هي التي تطاردني أينما أزحت بصري؟!
الأسابيع الماضية بدأت أفكر بطريقة مختلفة: كيف يمكن أن أحمي دماغي وأن أحصنه من كل ما يشعرني أني متأخرة؟ والأهم أن أتنفس قليلًا، وأن أريحه من مطاردة هذه المهارة وتلك، وأحوّل الصراع إلى: ماذا يجب أن أتعلم، وما يجب ألا أتعلم، انتقائية التعلّم المتواترة.
لا أقول إني نجحت، بل على العكس، أنا غارقة في محاولة مواكبة التعلّم، ولكني أفعل شيئًا واحدًا صغيرًا شبه يومي: أقرأ في كتاب. على الرغم من صعوبة حصولي عليه ورقيًا، فأنا أحاول في كل سفر أو خروج أن أحصل على أكثر ما أحب قراءته: الروايات. والآن أطرق باب الروايات العربية، محاولةً أن أجد ملاذًا لعقلي كي يرتاح، أغوص في عالم لصفحات متتالية غير مطالبة بأن أتعلم مهارة جديدة، وأن ألاحق كوكبًا يسير بسرعة ضوئية غير مسبوقة.
ربما هذا أيضًا إجهاد، ولكنني أجد في هذه المحاولة البسيطة نجاة من السرعة التي يسير بها هذا العالم، حتى إنني أشعر أحيانًا أن قلبي يكاد يتوقف.
ربما خوفًا، أو أن هذا العالم لم يعد آمنًا، علاوة على خسارة الثقة. فآلات الذكاء الاصطناعي أصبحت آراؤها أحيانًا ما يشبه المقدس، نعود إليه لنتقصى عن كل صغيرة وكبيرة: مشاعرنا، سلوكنا. وأكثر ما يخيفني الآن ليس الذكاء الاصطناعي وتطوره، بل ماذا سيبقى لنا إذا ما انسحلنا معه إلى هذا الحد؟ ماذا يبقى من إنسانيتنا وموضوعاتنا وأرواحنا…؟!